شخصيات لا تنسي
أخر الأخبار

كنفوشيوس Confucius

الفيلسوف الصيني الأول كنفوشيوس

 

كنفوشيوس مولده ونشأته ونبذه عن حياته : 

كنفوشيوس هو الفيلسوف الصيني الأول ، الذي وهبه الله نعمة الفكر والحكمة ، وأثر تأثيرا عميقا في المجتمع الصيني علي مدي ألفي عام مضت ، وقد أبدع في حل كثير من القضايا التي مر بها في حياتة علي الصعيد الفلسفي والمجتمعي وحتي السياسي في المجتمع الصيني ، وعرف كونفوشيوس بأنه من سلالة الأمبرطور العظيم ( هوانج – دي ) ،أي أنه يعود الي أصول و أسرة نبيلة ، ولد في عام 479 قبل الميلاد في مدينة ( لو -LU ) الصغيرة بولاية ( شانتونج Shantung ) وتوفي في إمارة ( شوفو ) في عام 551 قبل الميلاد .

وكونفوشيوس إسم لاتيني يعني الحكيم الصيني ، والإستاذ ، والفيلسوف ، وكان والد كونفوشيوس من الحكام في دولة ( لو ) لكنه توفي وترك كنفوشيوس صغيرا لم يتجاوز الثالث من عمره ، نشأ كنفوشيوس مع والدته في حالة فقر و بحاجة الي من يؤمن له عيشه ، حتي كبر قليلا وذهب يعمل وقت فراغه من المدرسة ، وتعلم بعض الحرف التي تساعده بتوفير الغذاء وما يحتاجة في حياتة ، حتي بلغ من العمر سبعة عشر عاما ، إشتغل برعي الماشية والأغنام ، ثم تزوج في التاسعة عشرة من عمره ، وعمل بعد ذلك أمينا لمخازن الحبوب ، ثم رقي الي مشرف عام علي الحقول والاشغال العمومية ، وفي عمر العشرين أنجب إبنه الوحيد ، ولكن مالبث أن طلق زوجته ولم يتزوج غيرها للأبد ، وفي عمر الثالثة والعشرين زادت مشاغلة وأعباءه الإدارية في الجهات المسئول منها ، وبالرغم من ذلك يقضي وقته في تثقيف نفسه ذاتيا وذلك بدراسة علوم التاريخ والشعر والموسيقي ، مما دفعه الي الإشتغال بالتعليم وأتخذ من بيته مدرسة يلقي فيها الدروس علي تلاميذه من مختلف الأعمار ومن جميع المدن ، وبدأ بتعليمهم التاريخ والشعر والآداب واللياقة والموسيقي وكان يقبل التلاميذ الذين لديهم ميلا صادقا للتعلم والمعرفة .

حتي أصبح عدد تلاميذه الذين تلقوا الحكمة وتخرجوا علي يدية ثلاثة آلاف تلميذ من بينهم ، إثنين وسبعين كان كونفوشيوس يصفهم أصحاب مواهب وعقليات جبارة ، حتي شغلوا مناصب ومراكز قيادية في الدولة ، وكان لهم الفضل بنشر مذهبه في البلاد ، حتي صار مذهبا رسميا من أواخر القرن الثاني قبل الميلاد ومتد الي أوائل القرن العشرين .

كمفوشيوس أخلاقه وصفاته :

عرف كمفوشيوس بأخلاق حميدة ورفيعة ، تتسم بالسمو والتوازن والثقة بالنفس ، والرزانة في خلقه تلازمه منذ كان صغيرا ، غير أ ما نقل عنه في تعامله وأقواله ما يدل علي الكثير من صفاته وسماته المرغوبة والمحبوبة لدي الجميع .

كان مهذبا ومرحا ومتذوقا للفنون والجمال ، ودائما متألقا في ملبسه معتزا بنفسه دون تعالي علي الآخرين ، يتميز بالهدوء والطمأنينة النفسية وكان يتعاطف عمليا مع معاناة الناس ويجبذ مساعدتهم ماديا ، وله مقولة في الأخلاق ( إن الذي لا يصلح خطأه وقد عرفة إنما يرتكب خطأ جديدا ) .

 

 

فلسفة الفكر التربوي عند كمفوشيوس : 

أهتم الصينيون القدماء بالتعليم والدراسة إهتماما كبيرا ، كأحد أسس التطوير في المجتمع ، وأعتبروا العلماء والمعلمين بمثابة أبطال في الفكر والتربية في التعلم السليم ، ويعد هذا الأمر من أهم العوامل علي نجاح الثورة الاقتصادية والمكانة الإجتماعية والسلطة السياسية ، وظهر أول الإهتمام  في وضع هذه الركائز الأساسية لبناء مجتمع صالح في عصر كمفوشيوس ، الذي أولي إهتمامه حول تثقيف الشباب وتربيتهم تربية أخلاق سامية تؤهلهم ليكونوا رجال دولة في الرأي والمشورة وفي بناء المستقبل للأجيال وفي ذات الوقت يكونوا علي علم ودراية ومنفعة في مجالات العمل المختلفة في المجتمع ،

فكان للفكر التربوي صدي واسع لدي فلسفة كمفوشيوس وأنصاره ، حيث قام بتكوين حلقات تدريس يجتمع فيها تلاميذه المقربين منه ، وشكل بعدها أول مدرسة حره خاصة في تاريخ الصين ، لأن المدارس وقت ذاك ملحقة بقصور الحكام الأرستقراطيين ( النبلاء ) يتعلم فيها أبنائهم لتدريبهم علي فنون الحكم وشغل وظائف العامة في الدولة ،

ولكن عملية التعلم عند كمفوشيوس تنصب في الحالة الأولي علي تنشئة الدارس تنشئة أخلاقية وتنمية مداركة العقلية ليكون له دورا مؤثرا في الحكمة وليس مجرد أداة تعمل دون تفكير ،

و المعرفة عند كمفوشيوس إكتسابية وليست إلهامية فقد كان يقول ( إنه ليس شخصا ولد عارفا للحقيقة ، وإنما مصدر معرفته هو القراءة والدراسة الكثيفة والملاحظة) ويستثني ماذكره في كتابه المنتخبات ، ( من ولدوا وهم ذوو معرفة ألهمتهم بها السماء دون مجهود شخصي من جانبهم وبغير أن يكونوا علي وعي بمعرفتهم وهم الحكماء  الموحي عليهم هم الأفضل ) .

وقد حرص كمفوشيوس علي أن يكون مصدر معرفته هو الدراسة والبحث ، لأن محب العلم يتعلم كل يوم ما ينقصه كما أن التعلم لا يجدي بدون تفكير ، ومن أقواله في ذلك ( كنت لا أكل طول النهار ، ولا أنام طول الليل لأعمل فكري وما وجدت لذلك فائدة بل الأفضل هو التعلم ) وقوله أيضا ( أطلب العلم بالتوسع ، ولتكن  همتك صادقة ، واستفسر عما يعنيك ، وفكر فيما يقربك فإن في ذلك مروءة ) .

ومن مبادئ كمفوشيوس في التعليم التي آمن بها ، مبدأ المساواه في تعليم أفراد المجتمع وقدرتهم علي التحصيل والتفكير دون نظر إلي أجناسهم أو ألوانهم أو أوضاعهم الإجتماعية ، بينما أقر بالتفاوت بينهم في العقل والمعرفة والموهبة والتجربة ، وما يأكد هذا أن مدرسته كانت تضم تلاميذ من مختلف الطبقات الإجتماعية من النبلاء ومن الفقراء معا دون تفرقة طبقية بينهم ، وقد عرف بأنه قد إمتدح أحد طلابة يرتدي رداء مهلهل حين وقف جنبا الي جنب مع أولئك الذين كانوا يرتدون الفراء الثمين ، دون أن يتملكه أدني ارتباك وأصبح هذا الطالب موظفا كبيرا في البلاد .

ويتضح هنا معني التربية والتعليم عند كمفوشيوس لا تقتصر علي معني فقط ، بل من أجل تحقيق ,إقامة المجتمع الكامل المبني علي معيار قيمة الإنسان ونفعه وقدرته علي توظيف معارفة لخدمة الغايات الإجتماعية ومن ثم الإقتصادية ومفاهيم سياسية عميقة في البلاد .

وإستند كمفوشيوس في تعليم طلابه علوم التاريخ والشعر والآداب العامة والفلسفة ، واستبعد الموضوعات المتعلقة بالخرافات والأعاجيب وخوارق الطبيعة ، مما لا يفيد في غاية التعلم والتثقيف الذاتي ، ومن أقواله المشهوره في ذلك ( لا تهتم  بعدم المنصب ، بل أهتم بما يؤهلك للمنصب ولا تهتم بجهل الناس قدرك بل أهتم بالقدر الذي يعرفونك به ) .

أن كمفوشيوس قد كرس أهتمامه في هيكلة النظام الفكري في التعليم والتربية آن ذاك ، قد كان له أيضا نظرة عميقة في الرأي وبصمة تغيير في حال المعلمين والمدرسين الذين يتولون عملية التدريس في ذاك الوقت ، إذ لاحظ أنهم يعمدون باستمرار إلي تكرار وإعادة الدروس بشكل ممل  وأثقال الطلبة بكثرة الأسئلة دون إهتمام بميول الطلاب أو توجههم الملائم لقدراتهم مما يتيح بذلك مشاحنة وعدم رغبة في التعلم علي يد مثل هؤلاء المدرسين لذلك اتجة كمفوشيوس الي وضع تعاليم وقواعد مثالية للتخلص من هذا الوضع السيئ في التعليم ومفاده ما يلي :

1- إعطاء المعلومات في السن الملائمة لها .

2- التدرج في إعطاء المعلومات بحيث يبدأ المعلم بالسهل وينتهي بالصعب بطريقة التسلسل .

3- تعطي المعلومات بإجتماع الطلاب لا فرادي لإثارة التنافس وتشجيع بعضهم .

4- إلزام المعلم بمراقبة صحبة الطالب لمنعه من مخالطة الأشرار ، وتقويم سلوك الطالب بمنع العادات القبيحة منه قبل أن يكتسبها الطالب .

5- التأكد من أن الطالب يقضي وقت فراغة بأمر يعود بالفائدة عليه جسميا وعقليا .

ونجد هنا أن مبادئ كمفوشيوس في الفكر التربوي تتوافق الي حد ما أو بجزء كبير منها مع ما تذهب إلية كثير من النظريات التربوية الحديثة .

 

فلسفة الفكر السياسي عند كمفوشيوس : 

وضع المفكر الفيلسوف كمفوشيوس مجموعة من التعاليم والمبادئ التي يهدف من خلالها إصلاح الفرد والمجتمع، وإحلال السلام والأمان في المجتمع الصيني ، وذكر أن الحكم  في البلاد أشبه بشئ مقدس وهبة من السماء يجب علي الجميع الإمتثال لها وطاعة ما يصدر من أحكام وقرارات للحفاظ علي مصلحة الجميع ، وهذا الأمر من أسس الإصلاح وترسيخ أصول الفكر السياسي العميق الذي يترتبط بشكل مباشر بأخلاق وصفات وواجبات الحاكم والمحكوم ومما يتحقق باثر ذلك من أمن وسلام وإزدهار في البلاد .

وينظر كمفوشيوس إلي أن الدولة لا تقوم إلا بوجود الشعب كشئ أساسي لإكتمال عناصرها لقيام دولة ، ويجب علي الحاكم القيام بدورة كراعي ومسئول عن الإصلاح في المجتمع ، وإعداد القوانين والأحكام يرتضيها الناس في مجتمعهم ، ووضع سياسة حسن  إستغلال الموارد الطبيعية وسد حاجة المجتمع من الغذاء والمأكل ومصادر المياة  ، والثروات وإحترام حقوق الأفراد وحمايتها ، ومن هذا المنظور الواعي لكمفوشيوس يتضح لنا التشريع السياسي للبلاد في عصره لبناء مجتمع متماسك وقوي ويكون بمصاف الحضارات المتقدمة .

 

فلسفة الفكر المجتمعي عند كمفوشيوس : 

كان جل إهتمام كمفوشيوس وهدفه هو إصلاح المجتمع الصيني بعد أن إنتشر فيه الفساد والإنحلال إثر إنهيار النظام وطغيان الفوضي علي النظام الطبقي ، وتسبب في المشاحنات الداخلية بين الممالك الصغيرة ، ومن هنا اجتهد كمفوشيوس لمناصرة نظم التقاليد القديمة التي تتميز بوجود تقاليد وعادات محددة  لكل طبقة من الطبقات ويتحدد لكل طبقة ما لها من حقوق وما عليها من واجبات ، والهدف من ذلك هو أن يحدد لكل فرد في المجتمع دوره الذي ينبغي علية القيام به ووضعة الإجتماعي تحديدا دقيقا ، لإحلال النظام والإستقرار لبلاده .

 

أشهر مؤلفات كمفوشيوس : 

إشتهرت كتب كمفوشيوس ما بين الكتب الفلسفية والكتب الإنسانية القديمة أو الكلاسيكيات وهي:

  • كتاب الأغاني الأناشيد الذي يوضح مبادئ الأخلاق الفاضلة وبين حقيقة الحياة البشرية ويصف دوافعها .
  • كتاب التاريخ الذي يشمل وثائق تاريخية خاصة بالإمبراطورية الصينية وماضي دولة ( لو ) .
  • كتاب الطقوس وهو جامع لقواعد السلوك الروحي الطبيعي والإجتماعي .
  • كتاب حوليات الربيع والخريف وهو تسجيلا لأحداث وقعة في وطنة ( لو ) .
  • كتاب التغيرات يتضمن تنبؤات وتحليلات ومعرفة الحوادث المستقبلية ، ويعرف بعلم ما بعد الطبيعة ( الميتافيزيقيا )

أما ما يتعلق بالكتب الفلسفية وهي أربعة مؤلفات قام بتدونها تلاميذه والتعليق عليها بناءا علي آرائه وإلهامه والحكم التي كان يذكرها أمامهم شفهيا وتعرف بالفلسفة الكنفوشيوسية ، وتدعي بالصينية ( سوشو ) :

  • كتاب المنتخبات أو الأحاديث والمحاورات
  • كتاب الداشوه أو العلم العظيم
  • كتاب عقيدة الوسط الذي وضعه حفيد كمفوشيوس ويحوي منهج والأراء الأساسية لأخلاق كمفوشيوس .
  • كتاب منشيوس ويعتبر هذا الكتاب هو خاتمة الآداب الصينية القديمة .

 

وفاة كمفوشيوس :

توفي كمفوشيوس عن عمر يناهز الثالثة والسبعين في عام 551 قبل الميلاد ، ودفن بمقاطعة ( تشوفو ) مسقط رأسه ، وظل تلاميذه في حداد لمدة ثلاث سنوات يبكونه ويزورونه في أكواخ أقيمت حول قبره الذي لا يزال يزار إلي وقتنا هذا .

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى