
يقول المثل السائد أن الحاجة أم الإختراع ، إنطلاقا من هذا المبدأ ، أولي المسلمون قديما إهتمامهم في الحاجة الي أداة يستدل بها علي معرفة الاتجاهات الأربعة وقياس المسافات ، وتعيين مواقيت الصلاة والمناسبات الدينية كرصد هلال رمضان والعيدين وحساب الشهور القمرية والهجرية ، وربطها بحركة الأجرام السماوية والقمر والشمس والنجوم والمعرفة من خلالها ، كما كان إهتمامهم حول الإستدلال في أسفارهم ومقاصد ترحالهم علي النجوم والكواكب ، فكانت الحاجة هنا تستدعي إستخدام الإسطرلاب ، الذي عرف في بدايته عند الإغريق في العصور الوسطي منذ القرن الرابع حتي القرن الثالث عشر الميلادي ، ونقلت هذه الآلة خلال هذه الفترة الي أجزاء عدة من العالم في أوربا وأفريقيا والأندلس والفرس والصين وأسبانيا والهند الي أن وصلت الي العالم العربي سنة 156هـ في عهد الخليفة المنصور ، نقلا عن أبي الريحان البيروني ، أن رجلا قدم من الهند يحمل كتابا في علم الفلك ، فأمر المنصور بترجمته الي العربية وأن يؤلف منه كتابا يتخذه العرب أصلا في حركات الكواكب ، فتولي ذلك العالم العربي ( محمد بن إبراهيم الفزاري ) .

ما هو الإسطرلاب Astrolabe ؟
وكلمة ( Astrolabe ) تعني بالعربي إسطرلاب وتعني بالمصطلح اللغوي ، آلة إستخدمها المسلمين في علم الفلك الإسلامي لتحديد مواضع الأجرام السماوية ، ومعرفة الوقت والإتجاهات المختلفة ، وقياس المسافات بين الأمصار القديمة بحسب حركة مرور المواقيت الزمنية في الليل والنهار ، وأطلق عليها العرب مسمي ( ذات الصفائح ) لإحتوائها علي صفائح معدنية تعيين من خلالها عدة مسائل في حركة الإسطرلاب ما بين الأفق وخط الإستواء ، ويأخذ شكل دائرة ( قرص ) معدنية أو خشبية وتقسم الدائرة لدرجات لتعيين زوايا إرتفاع وعرض لتحديد الموقع .

مخترع الإسطرلاب Astrolabe :
وقد اختلف الكثيرين حول من هو صاحب اختراع الإسطرلاب وتعددت الروايات حول مكتشف هذه الآلة التي تعد بمثابة حاسوب فلكي وقياسي دقيق في زمانه ، يحل المسائل المتعلقة بمواقع الأجرام السماوية ، والملاحة البحرية ، والشائع في هذا الأمر لم يتبين من هو مخترع الاسطرلاب ، إنما وردت كتابات متعددة عن الإسطرلاب ، أول من كتب هو (كلاوديويس ) البطلمي الذي كتب كتابا عن بسط سطح الكرة ، وأتي أخرون كتبوا في الإسطرلاب اليونانيين والاسكندريين منهم ( يوحنا النحوي ) في القرن السادس الميلادي ،و ذكر المؤرخ ( اليعقوبي ) أن ثيون السكندري كتب عن الإسطرلاب في القرن الرابع الميلادي ، وهناك من ينسب هذا الاختراع الي العالم العربي (محمد إبراهيم الفزاري )سنة 796هـ في القرن الثامن الميلادي ، وهو أول من صنع إسطرلاب وأسس جدولا يعرف بالزيج لتحديد مواقع النجوم وحساب حركتها ، بشكل نماذج ثنائية الأبعاد تبين كيف تبدوا من مكان معين في زمن معين ، لكن المعروف والمؤكد أن العرب عرفوا الإسطرلاب وعملوا به بشكل دقيق وثابت لقياسات الفلكية في (الكتاب الكبير في عمل الإسطرلاب )من كتابات (عبد الرحمن الصوفي ) الذي عاش ما بين سنة 291هـ الي سنة 376هـ ، بينما اقدم هذه الكتابات عن الاسطرلاب ما نقل عن (علي بن عيسي ) وما كتبه (الخوارزمي) في مطلع القرن التاسع ، وجد ما يقارب 40 نوعا من الإسطرلابات إرتبطت أهميتها في تحديد أوقات الصلوات وأيضا ساهم في تحديد إتجاه القبلة ، وفي القرن الحادي عشر أبتكر الفلكيون بطليطلة شكلا متقدما من الاسطرلابات يعرف بالاسطرلاب الكوني ، ويعود هذا التطور الي (علي بن خلف الزرقالي ) الاندلسي ،حيث تميز بإستخدامه من أي مكان بعكس الاسطرلاب العادي الذي يعتمد علي صفائح بخط العرض فقط .

مكونات الإسطرلاب Astrolabe :
يتكون الأسطرلاب من عدة أجزاء أولها جداول مبتكرة طبعت علي ظهر الإسطرلاب ، تحوي معلومات عن تحولات الزمن وتقويمها لتحويل اليوم والشهر الي موقع الشمس علي دائرة البروج .
- يتكون الإسطرلاب من مقاييس مثلثاتية ومدرجا من 360 درجة .
- مراقب يوضع علي إرتفاع معين ووقت معين خارج الكرة ، وينظر إليها من أعلي نسبتا لنموذج الأرض بوصفها مركز الكون الكروي .
- صفيحة معدنية مثقبة موضوعة في حامل دائري مبسط أكبر يسمي ( الأم ) تمثل بذلك النجوم الكبري في السماء علي الإسطرلاب الفلكي ، ويري من خلال الصفيحة الي الصفيحة الأخري تحتها خطوط تمثل الموقع الجغرافي ، حيث يحتوي الإسطرلاب علي أكثر من صفيحة
- جهاز الإبصار علي ظهر الصفيحة لتحديد إرتفاع الشمس أو النجم .
- وجزء دوار يسهل تحريكة كخريطة النجوم المثقبة علي الصفيحة ، يمكن للفلكي أن يديرها من موقعة كي يتوافق مع السماء في الوقت الذي يريد .
- ويستخدم مع الإسطرلاب أجزاء أخري مستقلة مثل الربعيات الكبيرة ، والمحلقات الرصدية .

أنواع الإسطرلاب Astrolabe :
تعددت أنواع الإسطرلاب الي أكثر من 40 نوع من الإسطرلابات المختلفة الشكل تصنف تبعا للحاجة إلي إستعمالها في مختلف الأغراض الفلكية ، وأيضا بحسب مركز الإسقاط علي مستوي الكرة السماوية علي سطح مستو ، أو مسقط علي خط الإستواء ، نظرا للإنقلاب الصيفي أو الشتوي ، وتندرج هذه الأنواع تحت مسميات منها ، الإسطرلاب الكروي ، والمسطح ، والهلالي ، والإسطرلاب التام ، والطومري ، والزورقي ، والقوسي ، والمسرطق ، الشمالي ، والجنوبي ، والمغني ، والمبطح ، والآسي ، والعقربي ، وغيرها الكثير لكن أشهرها وتعد من السطرلابات الرئيسية التي تم تطويرها عل يد الفلكيين المسلمين آن ذاك وهي الاسطرلاب الكوني ، والإسطرلاب الموجة ، والإسطرلاب الطولي ، وتختلف أشكالها وأحجامها والمعظم منها صغيرة بحجم كف اليد يمكن حمله وبعضها الأخر كبيرة جدا قطره بضعة أمتار .

أشهر علماء المسلمين في علم الفلك وصناعة الإسطرلاب :
ساهم علماء الفلك المسلمين في تطوير الإسطرلاب وصناعته ، بإضافة علوم وحسابات جديدة في آلة الإسطرلاب ، منها تتبع حركة الكواكب ورسم حدود أشكالها ومداراتها ، وقياس محيط الكرة الأرضية ، ويعد هذا التطوير في الإسطرلاب نعمة عظيمة إستفاد منها العلم الحديث في عصرنا هذا ، حين ذكر الدكتور ( خاليو سامسو ) من جامعة برشلونة في حديثة ببرنامج تاريخ أوروبا الإسلامي ، “إن المسلمين استخدموا أجهزة حساب جديدة ، صمم الإسطرلاب بحيث أجريت فيه تطبيقات مستحيلة الإنجاز في الإسطرلاب العادي ” ومن هؤلاء العلماء المجدين :
- العالم الفلكي (محمد بن إبراهيم الفزاري ) ، أول من صنع الاسطرلاب المسطح
- العالم الفلكي (أبو حامد محمد الصاغاني ) ، أتقن صناعة آلة الرصد الفلكي ، وطور كثير من الآلات القديمة .
- العالم الفلكي ( البديع الإسطرلابي ) ،إشتهر بصناعة الآلات الاسطرلابية في العصر العباسي .
- العالم الفلكي ( حامد بن محمد الاصفهاني ) أشتهر بصناعة الاسطرلاب وإتقان التشكيل المعدني .
- العالم الفلكي ( أحمد بن حسين بن باسو ) في غرناطة ، تميز بصناعة الاسطرلاب الدقيق برصد مواقع النجوم ، وتسم بطابع جمالي وفن الخطوط التي كتبت بها ، وتعرض حاليا في المتاحف العالمية .
- عالمة الفلك ( مريم بنت كوشيار الجيلي الإسطرلابية ) قامت بتطوير الاسطرلاب المعقد في عصر الدولة الحمدانية .



